.avif)

رئيس قسم الزيوت والدهون بمعهد بحوث الصناعات الغذائية والتغذية بالمركز القومي للبحوث.
لماذا أصبح التقنين ضرورة لحماية السوق وتعظيم القيمة المضافة؟
(Flavored Vegetable Oils - including infused oils prepared with herbs or spices)
ليست الزيوت النباتية المنكَّهة ترفًا مذاقيًا عابرًا، بل قطاعًا صاعدًا تتكامل فيه قيمة الغذاء مع قيمة الاقتصاد. وبين منتجٍ يضيف إلى السوق جودةً وفرصةً تصديرية، ومنتجٍ آخر قد يفتح أبواب الالتباس أو التفاوت في الجودة أو ضعف الانضباط، تصبح الحاجة إلى تشريعٍ ضابطٍ ومواصفةٍ حاكمة ضرورةً عملية، لا مجرد خيار تنظيمي.
لم تعد الزيوت النباتية المنكَّهة أو المُثرَاة بالنباتات العطرية والأعشاب مجرد منتجات جانبية على هامش الأسواق، ولا نزعة ذوقية محدودة تستهدف محبي النكهات الجديدة فحسب، بل أصبحت فئة غذائية قائمة تفرض حضورها على الصناعة والتجارة والرقابة معًا. ففي زجاجة واحدة قد تجتمع عناصر الطهي المتميز، والابتكار الصناعي، والقيمة المضافة، ومقتضيات السلامة، وتعقيدات التوسيم، وأسئلة الهوية القانونية للمنتج.
وهنا تكمن حساسية هذا الملف؛ فنحن لسنا أمام مجرد زيت أضيفت إليه نكهة محببة، بل أمام منتج قد يتغير توصيفه التجاري، وتختلف قراءته الرقابية، وتتسع تطبيقاته الاقتصادية، ويصبح في الوقت نفسه عرضةً للتفاوت بين الجودة العالية والممارسات غير المنضبطة. ومن ثم فإن تجاهل هذه المنتجات لم يعد خيارًا واقعيًا، كما أن تركها في منطقة رمادية بين الزيت الخالص والمنتج المركب لم يعد مقبولًا علميًا أو تشريعيًا. فالأسواق تتحرك، والطلب يتزايد، والمنتجون يجربون، والمستهلك يشتري، والتجارة تتسع، بينما يظل السؤال المركزي قائمًا: كيف ننقل هذه الفئة من غبش العشوائية إلى وضوح المرجعية، ومن اجتهادات السوق إلى انضباط المواصفة؟
تنبع أهمية هذا الموضوع من حقيقة اقتصادية واضحة، وهي أن الزيوت النباتية المنكَّهة لم تعد مجرد تطوير شكلي في صورة الزيت، بل أصبحت أحد وجوه القيمة المضافة في الصناعات الغذائية الحديثة. فالزيت النباتي الذي كان يُنظر إليه تقليديًا بوصفه سلعة أولية، يمكن عبر الإثراء بالنباتات العطرية أو الأعشاب أو التوابل أو المستخلصات أن يتحول إلى منتج متميز ذي هوية حسية وتسويقية خاصة، بما يرفع قيمته السوقية ويضعه ضمن فئة الأغذية المتخصصة والمتميزة.
وتشير بعض التقديرات السوقية إلى نمو متواصل في فئة الزيوت المنكَّهة عالميًا، مدفوعًا بتغير أنماط الاستهلاك، والإقبال على الطهي المنزلي المتميز، والبحث عن منتجات تجمع بين النكهة وسهولة الاستخدام، فضلًا عن توسع الطلب على الأغذية المتخصصة. ولهذا فإن هذه المنتجات باتت جزءًا من مشهد الأغذية الفاخرة والمنتجات الحرفية والصناعات الغذائية عالية التخصص، سواء أُنتجت في منشآت صناعية كبيرة أو في وحدات صغيرة ذات طابع حرفي أو تجاري متخصص.
ومن زاوية التصدير، فإن غياب مواصفة قياسية واضحة للزيوت المنكَّهة قد يخلق تحديات حقيقية أمام المصدر، منها عدم وضوح الهوية القانونية للمنتج، أو احتمال وقوع التباس في التصنيف الفني أو الجمركي، أو صعوبة إثبات المطابقة إذا طُرح المنتج باسم يوحي بأنه زيت خالص بينما هو في الحقيقة منتج مُنكَّه أو مُثرى. ومن ثم فإن وجود مرجعية وطنية واضحة لا يخدم السوق المحلي فقط، بل يدعم أيضًا القدرة على النفاذ المنظم إلى الأسواق الخارجية.
كما أن الهدف من التشريع لا ينبغي أن يُفهم على أنه تعقيد حياة المنتج الملتزم، بل العكس تمامًا. فالمواصفة حين تُصاغ جيدًا تخلق ساحة تنافس أكثر عدالة، بحيث لا يجد المنتج الجاد نفسه في مواجهة منتجات منخفضة الجودة أو غير منضبطة تستفيد من الغموض القائم في التسمية أو ضعف الرقابة على الخامات والإضافات.
على المستوى العالمي، أصبحت الزيوت المنكَّهة جزءًا من سوق الأغذية المتخصصة التي تتسع بفعل تغير أنماط الاستهلاك، وازدياد الطلب على المنتجات الطبيعية، وتنامي الاهتمام بالطهي المنزلي الراقي، والمطابخ الاحترافية، ومنتجات الهدايا الغذائية. كما أن هذه الفئة تدخل في سلاسل تجارة حقيقية تتراوح بين التجارة المحلية الراقية والتجارة الدولية في الأغذية ذات القيمة المضافة.
أما إقليميًا، فإن نمو قطاع الضيافة، وتوسع متاجر الأغذية المتميزة، وزيادة الاهتمام بالنباتات العطرية والطبية، كلها عوامل تمنح هذه المنتجات مساحة متنامية في أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وفي الحالة المصرية، تكتسب المسألة أهمية مضاعفة. فمصر لا تملك فقط سوقًا استهلاكية واسعة، بل تملك أيضًا قاعدة صناعية غذائية معتبرة، وإمكانات مهمة في مجال الزيوت النباتية، فضلًا عن إمكانات كبيرة في النباتات العطرية والطبية. ومن ثم فإن الزيوت المنكَّهة تمثل فرصة حقيقية لربط هذه العناصر كلها في منتج واحد يجمع بين الأصل الزراعي والتطوير الصناعي والقيمة التسويقية. وإذا نُظم هذا القطاع على أسس علمية واضحة، فإنه يمكن أن يسهم في حماية المستهلك المصري من المنتجات مجهولة الهوية أو غير المنضبطة، وفي الوقت نفسه يشجع المنتجين المصريين الجادين على تقديم منتجات ذات جودة عالية للسوق المحلي، والتوجه بها إلى التصدير كمنتجات غذائية ذات قيمة مضافة.
لا تتحدد أهمية هذه المنتجات في بعدها التجاري العام فقط، بل في تنوع استخداماتها التطبيقية أيضًا. ففي المجال الغذائي، أصبحت الزيوت المنكَّهة أداة عملية في المطابخ الاحترافية والراقية، حيث تُستخدم لإضفاء نكهات محسوبة على السلطات، والمقبلات، والأطباق المشوية، والمعكرونة، والمأكولات البحرية، والتتبيلات، والصلصات، واللمسات النهائية للأطباق.
ولهذا يزداد الطلب عليها في الفنادق الراقية، والمطاعم المتميزة، وشركات التموين الغذائي، ومتاجر الأغذية الفاخرة، لأنها تمنح الطاهي والمستهلك منتجًا قادرًا على تقديم نكهة مميزة ومكررة بدرجة معقولة من الثبات، مع سهولة الاستخدام وسرعة التطبيق.
كما أن هذه الزيوت أصبحت تدخل في قطاع الهدايا الغذائية الراقية، وقد تمتد بعض تطبيقاتها خارج المجال الغذائي في حالات محدودة مرتبطة بالمكونات النباتية العطرية، وإن ظل الاستخدام الغذائي هو المجال الرئيس والأوسع. وهذا الاتساع في التطبيقات يؤكد أن الحديث عن الزيوت المنكَّهة ليس حديثًا عن منتج ثانوي محدود التداول، بل عن فئة منتجات متميزة تستهدف شرائح عديدة وجهات متنوعة.
رغم هذا الحضور المتزايد، فإن واقع السوق يكشف تفاوتًا كبيرًا في طبيعة المنتجات المتداولة. فهناك منتجات تُعد بعناية، ويُختار لها زيت أساس جيد، وتُضبط إضافاتها النباتية بصورة منهجية، وتُقدم في عبوات مدروسة. وفي المقابل، توجد منتجات أخرى غير منضبطة، قد يُساء فيها اختيار الزيت الأساس، أو تُستخدم فيها إضافات غير محكمة، أو يُبالغ في التعويل على النكهة للتغطية على ضعف الجودة أو غموض المصدر أو غياب أسس السلامة.
وهذا التفاوت هو ما يجعل التقنين ضرورة، لا ترفًا. فوجود المنتج في السوق من دون مرجعية واضحة لا يخلق حرية ابتكار حقيقية، بل يفتح بابًا للخلط بين المنتج الجاد والمنتج المرتبك، ويترك المستهلك وحده في مواجهة بطاقة بيانات قد لا تكشف الحقيقة كاملة.
تنطلق المرجعيات الدولية الأساسية من ضبط هوية الزيت في صورته الأصلية غير المعدلة. فمواصفة الكودكس لزيوت الزيتون وزيوت تفل الزيتون CXS 33-1981، بصيغتها المنقحة في 2024، ما تزال تنطلق من تعريف زيت الزيتون بوصفه الزيت المتحصل عليه من ثمرة الزيتون وفق الإطار المحدد في المواصفة، وقد شملت مراجعات 2024 تعديلات في الأقسام 3 و7.2 و8 والملحق الأول.
وعلى المستوى التجاري، فإن أحدث نسخة منشورة من المواصفة التجارية للمجلس الدولي للزيتون في نوفمبر 2024 كانت COI/T.15/NC No 3/Rev. 20، وهي تؤكد الإطار العام الذي يضبط فئات زيت الزيتون وزيت تفل الزيتون المتداولة في التجارة الدولية.
أما بالنسبة للزيوت النباتية الأخرى، فإن مواصفة الكودكس للزيوت النباتية المسماة CXS 210-1999 تظل المرجع الأساسي لهوية زيوت مثل الذرة ودوار الشمس وفول الصويا وغيرها في صورتها الأصلية. ومن ثم فإن إضافة أعشاب أو توابل أو مستخلصات أو زيوت عطرية أو أي مكونات نباتية أخرى إلى الزيت لا تظل مجرد تفصيل جانبي، بل تؤثر في وصف المنتج النهائي. وهذا يعني أن المنتج بعد التنكيه أو الإثراء لا ينبغي أن يُقدَّم كما لو كان مطابقًا على نحو خالص للفئة القياسية التقليدية للزيت الأصلي، لأن ذلك قد يخلق التباسًا في الهوية ويضعف صدق التسمية والتوسيم.
ومن المهم كذلك التمييز بين مراجعات مواصفة زيت الزيتون نفسها وبين الإرشادات الأفقية الخاصة بالبيع الإلكتروني؛ فقد اعتمد الكودكس أيضًا في 2024 الإرشادات الخاصة بتوفير معلومات الأغذية المعبأة المعروضة عبر التجارة الإلكترونية CXG 104-2024، وهي تتيح إطارًا داعمًا يمكن الاستفادة منه في عرض المعلومات الإلزامية أو الطوعية للمنتجات الغذائية المعبأة عبر المنصات الرقمية.
تقع الزيوت النباتية المنكَّهة في مساحة وسطى بين الزيت الخالص المطابق لمواصفته الأصلية وبين المنتج الغذائي المركب الذي اكتسب هوية جديدة بفعل الإضافة. وهذه المنطقة الرمادية هي سبب قدر كبير من الارتباك القائم في الممارسة. فهل يُنظر إلى المنتج على أنه زيت نباتي فقط؟ أم على أنه منتج غذائي جديد قائم على زيت نباتي؟ وأين تقف حدود الاسم الصحيح؟ وكيف تُكتب بطاقة البيانات؟ وما التحاليل التي ينبغي أن تحكم المنتج: تحاليل الزيت الأساس وحدها، أم تحاليل المنتج النهائي بعد الإثراء؟
هذه الأسئلة تؤكد أن المسألة ليست شكلية، وأن الحاجة إلى إطار تنظيمي مخصص أصبحت ملحّة حتى لا يظل السوق أسير الاجتهادات المتباينة.
في هذا السياق، تبرز المواصفة الخليجية GSO 2524:2016 الخاصة بـ Flavor Infused Olive Oil بوصفها تجربة إقليمية مهمة، لأنها تمثل واحدة من المحاولات الواضحة للاعتراف بهذه الفئة وتنظيمها. ووفق البيانات المنشورة عنها، فهي تنطبق تحديدًا على زيت الزيتون المثرى بالنكهة باستخدام أنواع مختلفة من الأعشاب، مثل الأوريجانو والريحان والثوم وإكليل الجبل، كما تشير إلى بعض الفطريات المأكولة والكمأة، وإلى بعض المواد الغذائية مثل الفلفل الحار والطماطم المجففة والخل والخل البلسمي لإضفاء الطعم والنكهة المميزة.
ودلالة هذه التجربة لا تكمن فقط في محتواها، بل في الرسالة التي تحملها: وهي أن هذه المنتجات يمكن أن تُدار في إطار تنظيمي واضح، وأن تركها خارج التقنين ليس قدرًا مفروضًا.
إذا كان هناك موضع واحد تبدأ عنده حماية المستهلك فعلًا، فهو بطاقة البيانات. فالمستهلك لا يقرأ المعادلات الكيميائية، ولا يحكم من خلال التحاليل المخبرية، بل يعتمد أولًا على ما تقوله العبوة.
ومن هنا لا يصح مهنيًا وتنظيميًا أن يُقدَّم المنتج باسم يوحي بأنه زيت خالص مطابق للمواصفة الأصلية إذا كان قد جرى تنكيهه أو نقعه أو إثراؤه بمكونات أخرى. والصياغة الأكثر انضباطًا هي أن يكون الاسم البياني للمنتج من قبيل: زيت منكَّه بالأعشاب، أو زيت منقوع بالنباتات العطرية، أو زيت مُثرى بمستخلصات نباتية، أو زيت منكَّه بالثوم والفلفل.
وفي المقابل، يجب أن يُذكر داخل قائمة المكونات نوع الزيت المستخدم أساسًا بوضوح وصراحة، مثل: زيت زيتون بكر ممتاز، أو زيت زيتون بكر، أو زيت الذرة، أو زيت دوار الشمس، أو زيت فول الصويا. وبهذا يتحقق توازن ضروري بين عدم تضليل المستهلك في الاسم الرئيسي، وتمكينه في الوقت نفسه من معرفة الزيت الأساس الحقيقي الموجود في العبوة. وهذا يتسق مع المبدأ العام في الكودكس الذي يقضي بأن يعبّر اسم الغذاء عن طبيعته الحقيقية وأن تُذكر المكونات بوضوح.
من الأخطاء الجوهرية في هذا الملف اختزاله في حدود الطعم والرائحة والجاذبية التسويقية. فالإضافات النباتية، وخاصة الأعشاب والثوم، تفتح بابًا مهمًا لمخاطر السلامة الغذائية.
فالأعشاب الطازجة والثوم الطازج قد يمثلان مصدر قلق ميكروبيولوجي حقيقي إذا استُخدما في وسط زيتي منخفض الأكسجين من دون ضوابط واضحة للإنتاج والحفظ والتداول. وتذكر مراكز مكافحة الأمراض الأمريكية أن الثوم المفروم في الزيت كان من بين المصادر الحديثة للتسمم الوشيقي الغذائي، كما توصي بتبريد الزيوت المنزلية المصنوعة بالثوم أو الأعشاب والتخلص من المتبقي منها خلال فترة قصيرة.
أما الأعشاب الجافة، فمع أنها أقل رطوبة من الطازجة، فإن خطرها لا يختفي، بل يتغير في طبيعته. فهي قد ترتبط بمخاطر فطرية، أو سموم فطرية، أو حمل ميكروبي مرتفع، أو شوائب ناتجة عن الحصاد أو التجفيف أو التخزين أو التداول، خصوصًا إذا لم تُنتج وتُجفف وتُخزَّن في ظروف منضبطة. وتشير منظمة الصحة العالمية والهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء إلى أن السموم الفطرية قد توجد في أغذية جافة مثل التوابل وغيرها من المنتجات النباتية المجففة، وهو ما يبرر الحذر الشديد عند استخدام الأعشاب الجافة في هذا النوع من المنتجات.
ومن ثم فإن تفضيل الأعشاب الجافة لا ينبغي أن يُفهم على أنه تفويض مفتوح باستخدامها دون ضوابط، بل يجب أن يرتبط بمعايير قبول صارمة، وفحوص مناسبة، وتتبع موثق للمصدر، وضبط لظروف التخزين والرطوبة والنشاط المائي.
لن يكتمل بناء أي مواصفة دون تزويد جهات التفتيش بأدوات عملية للتحقق. وهنا يأتي دور التقنيات التحليلية الحديثة، مثل أدوات البصمة الطيفية وتحليل المركبات المتطايرة، التي يمكن أن تمثل وسائل واعدة لدعم الرقابة والكشف عن بعض أنماط الغش أو التحقق من الهوية، خاصة إذا دُمجت بقواعد بيانات مرجعية ونماذج إحصائية مناسبة.
فالتحدي هنا لا يقتصر على وصف المنتج بأنه “منكَّه”، بل يمتد إلى ضرورة التحقق من جودة الزيت الأساس نفسه، ومن عدم استخدام زيوت أقل جودة مما هو معلن، أو مزجه بزيوت أرخص، أو اللجوء إلى نكهات صناعية رخيصة بطريقة توهم المستهلك بطبيعة مختلفة للمنتج.
ولهذا فإن تقنيات مثل FTIR وGC-IMS قد تكون ذات قيمة عالية في بناء منظومة رقابية أكثر سرعة ودقة، لكن من الأفضل النظر إليها باعتبارها أدوات داعمة داخل منظومة تحقق متكاملة، لا باعتبارها بديلًا منفردًا عن التحاليل القياسية والفحص الحسي والتوثيق وسجلات التتبع.
كما أن التتبع الإلزامي يظل ركيزة أساسية، بحيث يمكن للمفتش تتبع الزيت الأساس: من أين جاء، وما نتائج تحاليله، وما درجته الأصلية، وكذلك تتبع المواد المنكِّهة نفسها: مصدر الأعشاب أو التوابل أو المستخلصات، وطريقة تداولها، وشهادات تحليلها عند الحاجة.
إدراكًا لأن صغار المنتجين والحرفيين يمثلون جزءًا مهمًا من روح الابتكار في هذا القطاع، فإن إصدار المواصفة ينبغي أن يصاحبه دليل استرشادي مبسط يترجم النص القانوني إلى ممارسة يومية مفهومة.
والأجدر أن يشرح هذا الدليل، بلغة عملية واضحة، الفرق بين الزيت الخالص والزيت المنكَّه، وكيفية اختيار الزيت الأساس، وأهمية فحص الأعشاب الجافة وتخزينها، ومخاطر استخدام الثوم الطازج في الزيت من دون ضوابط، وأساسيات التصفية والتعبئة، وأمثلة عملية لبطاقة البيانات، مع قائمة مراجعة بسيطة قبل طرح المنتج في السوق.
فبهذا تتحول المواصفة من نص عقابي محتمل إلى أداة تنظيم وتوجيه، ويصبح الامتثال أكثر قابلية للتحقق، خاصة إذا اقترن بفترة انتقالية معقولة لتوفيق الأوضاع.
في ضوء هذا المشهد كله، يبدو الرأي الداعي إلى إعداد مواصفة مصرية شاملة للزيوت النباتية المنكَّهة أو المُثرَاة بالنباتات العطرية والأعشاب رأيًا وجيهًا ومقنعًا.
ومن الناحية العملية، تبدو المواصفة الشاملة لكل الزيوت النباتية المنكَّهة أكثر كفاءة واتساقًا، شريطة أن تُبنى على فلسفة واضحة: الفئة الجديدة هي “الزيوت النباتية المنكَّهة أو المُثرَاة”، لكن كل زيت داخل هذه الفئة يحتفظ بهويته الأساسية ويحكمه أصله القياسي الخاص. وميزة هذا التصور أنه يمنع تكرار الجهد التشريعي في مواصفات منفصلة متشابهة، ويضمن توحيد قواعد التسمية والوسم والسلامة والإضافات، مع ترك الباب مفتوحًا لخصوصية كل زيت بحسب مواصفته الأصلية.
وبعبارة أخرى، تكون لدينا مواصفة مصرية أفقية شاملة للفئة، بالتوازي مع المواصفة الرأسية الخاصة بكل زيت أساس. وهذا من أكثر النماذج التنظيمية اتزانًا؛ لأنه يجمع بين التبسيط والخصوصية في آن واحد.
ينبغي أن تبدأ أي مواصفة مصرية جادة بتعريف واضح لفئة الزيوت النباتية المنكَّهة أو المُثرَاة، ثم تضبط قواعد التسمية والوسم، وتُلزم بذكر الزيت الأساس في قائمة المكونات بوضوح كامل، وتفصل بين الأعشاب الطازجة والأعشاب الجافة والمستخلصات والزيوت العطرية وغيرها من صور الإضافة.
كما يجب أن تضع اشتراطات مناسبة لقبول المواد المضافة، ومتطلبات واضحة للسلامة الميكروبيولوجية، وضوابط خاصة بملف الفطريات والسموم الفطرية بحسب طبيعة الخام المستخدم، فضلًا عن شروط التعبئة والتخزين، ومتطلبات دراسة العمر التخزيني للمنتج النهائي، لا مجرد الزيت الأساس وحده. فالمعيار الحقيقي هنا ليس فقط سلامة المكونات منفردة، بل سلامة المنتج النهائي في صورته التي تصل إلى المستهلك.
هذا الملف لا يتصل فقط بمنتج تجاري جديد، بل بنموذج كامل لكيفية تحويل المواد الخام الزراعية إلى منتجات غذائية أكثر قيمة وربحية وتنافسية. فالزيوت المنكَّهة تمثل أحد تطبيقات الاقتصاد القائم على الابتكار الغذائي، حيث تتقاطع علوم الكيمياء الغذائية وسلامة الغذاء وتقنيات التصنيع مع تطوير المنتج والتسويق وبناء الهوية التجارية.
كما أن تنظيم هذا القطاع يدخل ضمن مفهوم الأمن الغذائي الصناعي، لأن الأمن الغذائي لا يعني مجرد توافر الغذاء، بل يشمل أيضًا جودة الغذاء، وسلامته، ووضوح بياناته، وقدرة الصناعة الوطنية على إنتاجه وفق معايير موثوقة.
ومن ثم فإن بناء مرجعية مصرية واضحة لهذه الفئة ليس دفاعًا عن السوق فحسب، بل هو أيضًا استثمار في المعرفة، وفي القدرة التنافسية، وفي حضور المنتج المصري داخل الأسواق الأكثر تطلبًا.
بناءً على التحليل السابق، يمكن اقتراح مسار عملي لصياغة مواصفة مصرية شاملة لهذه الفئة. ويُستحسن أن تستفيد هذه اللجنة من النماذج الإقليمية والدولية المتاحة، وعلى رأسها المواصفة الخليجية GSO 2524:2016، إلى جانب المرجعيات الأساسية للكودكس والمجلس الدولي للزيتون. كما يُنصح بإصدار دليل استرشادي مبسط للمنتجين، وتنظيم برامج تدريبية، ومنح فترة انتقالية معقولة لتوفيق الأوضاع، مع ربط هذا الجهد بفرص التصدير والترويج للمنتجات المطابقة.
الزيوت النباتية المنكَّهة ليست ظاهرة هامشية يمكن تجاوزها، وليست مجرد موضة استهلاكية عابرة سرعان ما تنطفئ. إنها فئة غذائية تنمو على أرض الواقع، وتحمل في داخلها فرصًا اقتصادية وتصديرية مهمة، لكنها تحمل أيضًا تحديات حقيقية في الهوية والتوسيم والسلامة.
ولهذا فإن المسار الرشيد ليس إنكار وجود الزيوت المنكَّهة، ولا تركها لعشوائية السوق، بل الاعتراف بها وتقنينها وضبطها وفق مرجعية علمية واضحة. وعندما تمتلك مصر مواصفة متماسكة لهذه الفئة، فإنها لا تحمي المستهلك فقط من الغموض والتضليل والمخاطر، بل تمنح المنتج المصري الجاد فرصة عادلة للابتكار والمنافسة، وتفتح بابًا لتعظيم القيمة المضافة، وترفع القدرة التنافسية للمنتجات المصرية، وتحوّل هذه الفئة من مساحة مرتبكة في السوق إلى قطاع واعد في الصناعة والتجارة والتصدير.
وهنا فقط نكون قد انتقلنا حقًا من فوضى الممارسة إلى سيادة المواصفة، ومن غبش العشوائية إلى وضوح المرجعية، ومن مجرد الإعجاب بالعطر إلى احترام العلم والسلامة والشفافية.