
رئيس قسم الزيوت والدهون بمعهد بحوث الصناعات الغذائية والتغذية بالمركز القومي للبحوث.
في عصر "الصناعات الذكية" والاقتصاد الدائري، سقطت كلمة "مخلفات" من قاموس الإنتاج المتقدم؛ فلم تعد القيمة الحقيقية للذبيحة تُقاس فقط بما تقدمه لنا من لحوم وبروتين، بل بمدى براعتنا في استخلاص كنوزها الكامنة وإعادتها إلى شريان الاقتصاد. ومن قلب هذا التحول الاستراتيجي، يبرز "دهن الدجاج" كبطل غير متوقع وثروة ذهبية خفية.
لقد نجح هذا المكون الفريد في التمرد على النظرة التقليدية التي طالما حصرته في خانة "الناتج الثانوي" أو العبء الذي يجب التخلص منه، ليحتل اليوم مساحة شاسعة من القيمة المضافة. بفضل تركيبه الكيميائي المتميز، تحول دهن الدجاج إلى مادة خام استراتيجية تتسابق عليها كبرى القطاعات؛ بدءاً من إثراء الصناعات الغذائية، ومروراً برفع كفاءة الأعلاف، وصولاً إلى تشغيل محركات الطاقة الخضراء واقتحام عالم الصناعات الأوليوكيميائية الدقيقة.
إننا أمام منطق علمي وصناعي رائد، يرى في قطرة الدهن موردًا مستدامًا ينبض بفرص الاستثمار.. فما هي أسرار هذا الكنز المخفي؟ وكيف تعيد هذه المادة العجيبة تشكيل خارطة الصناعة والغذاء في عالمنا المعاصر؟
ظل دهن الدجاج طويلًا يُرى بوصفه جزءًا زائدًا على المنتج الرئيسي، لكن النظرة الصناعية الحديثة أعادت ترتيب المشهد. فمع تطور تقنيات التصيير برزت إمكانات تحويل المواد الحيوانية الثانوية إلى منتجات نافعة، من بينها الدهون والبروتينات، مع تقليل الأثر البيئي ورفع كفاءة الاستفادة من الموارد. ولهذا لم يعد دهن الدجاج مجرد مكوّن يُفصل عن الذبيحة، بل خامة يمكن أن تدخل في سلاسل قيمة متعددة إذا أُحسن جمعها ومعالجتها وتوجيهها.
لا يترسب دهن الدجاج في موضع واحد، بل يتوزع بين الدهون البطنية، والدهون المرتبطة بالجلد، وبعض الترسيبات الأخرى حول الأحشاء وداخل الأنسجة بدرجات متفاوتة. وهذه ليست مسألة تشريحية محضة، بل تفصيل صناعي مهم؛ لأن موضع الترسيب يؤثر في كمية الدهن المسترجعة، وطبيعة الخام، وسهولة الفصل، ومدى ملاءمته لبعض التطبيقات. كما تشير الدراسات إلى أن خصائص دهن الدجاج قد تتأثر بالعليقة والمزرعة والظروف الإنتاجية، حتى عندما يكون المصدر الحيواني متقاربًا.
تكمن خصوصية دهن الدجاج في بصمته الدهنية؛ إذ تغلب عليه عادة أحماض دهنية مثل الأوليك والبالمتيك واللينوليك، مع نسبة من الأحماض غير المشبعة أعلى من تلك المسجلة في بعض الدهون الحيوانية التقليدية الأكثر صلابة. وتوضح الدراسة المرجعية المستخدمة هنا أن الأحماض الغالبة في دهون دجاج البطن والقانصة كانت الأوليك ثم البالمتيك ثم اللينوليك، وأن غير المشبع كان هو الكتلة الأكبر في البروفيل الدهني. لكن الدقة العلمية تقتضي التنبيه إلى أن هذا التركيب ليس رقمًا ثابتًا، بل نطاقًا يتبدل باختلاف المصدر والعليقة والظروف الإنتاجية.
المرحلة الفاصلة هنا هي التصيير، وهي ليست مجرد تسخين لفصل الدهن، بل منظومة صناعية تضبط الحرارة والزمن والنظافة وكفاءة الفصل ونوع المسار النهائي، سواء كان غذائيًا أو غير غذائي. وتوضح المرجعيات الأميركية أن التصيير يستخدم الحرارة لتحويل المواد الحيوانية إلى منتجات نافعة وآمنة، مع إنتاج دهون وبروتينات يمكن أن تتجه إلى الغذاء أو العلف أو تطبيقات صناعية أخرى بحسب جودة الخام ومسار المعالجة. وكلما كان هذا المسار أكثر انضباطًا، ارتفعت جودة الدهن واتسعت إمكانات توجيهه إلى تطبيقات أعلى قيمة.
أي دهن يمكن أن يفقد جزءًا مهمًا من قيمته إذا ساءت ظروف استخلاصه أو تخزينه أو تداوله. ومدونة الكودكس الخاصة بتخزين ونقل الزيوت والدهون الغذائية توضح أن مسارات التدهور الأساسية تشمل الأكسدة والتحلل المائي والتلوث، وأن قابلية الدهن لهذه التغيرات تتأثر بطبيعته الأصلية، ودرجة تنقيته، ووجود الشوائب، والتعرض للهواء والحرارة والرطوبة. ومن هنا تبرز أهمية متابعة مؤشرات مثل رقم البيروكسيد والأحماض الدهنية الحرة والرطوبة والشوائب، إلى جانب حسن اختيار أوعية التخزين ومعدات التداول.
بعد التصيير والتنقية الأولية، لا يبقى دهن الدجاج منتجًا واحدًا بالمعنى الضيق، بل يمكن أن يتجه إلى أكثر من مسار. فقد يصبح دهنًا غذائيًا لبعض التطبيقات المحددة، أو دهنًا علفيًا يدخل في علائق الحيوانات وأغذية الحيوانات الأليفة، أو مادة أولية لعمليات أوليوكيميائية لاحقة. وتعرّف FOSFA الأوليوكيميائيات بأنها مواد كيميائية مشتقة من الزيوت والدهون الطبيعية، ومن أهم نواتجها الأحماض الدهنية والجلسرين وإسترات الأحماض الدهنية الميثيلية، وهو ما يعني أن دهن الدجاج لا يُقرأ صناعيًا بوصفه مادة واحدة، بل بوصفه منصة خام قابلة للتشعب إلى منتجات متعددة.
حين يدخل دهن الدجاج إلى عالم الأوليوكيميائيات، تتسع قيمته الاقتصادية أكثر. فالأحماض الدهنية والجلسرين وإسترات الميثيل الناتجة من الزيوت والدهون الطبيعية تمثل مواد وسيطة تدخل في صناعات مثل الصابون والمنظفات والمواد الخافضة للتوتر السطحي ومواد التزييت وبعض الطلاءات. والميزة الكبرى لهذه المسارات أنها تنطلق من خامة متجددة، وهو ما يعزز جاذبيتها في سياق الاستدامة والاقتصاد الأخضر مقارنة ببعض البدائل ذات الأصل البتروكيميائي.
أولى مزاياه أنه خامة متجددة موجودة أصلًا داخل سلسلة إنتاج الدواجن، بما يسمح بتحويل الناتج الثانوي إلى قيمة مضافة من دون الحاجة إلى خام مستقل جديد. كما أنه يتمتع بقدر من المرونة التطبيقية بفضل تركيبه، فيمكن أن يخدم أكثر من قطاع بحسب الجودة ونوع المعالجة. وفي الاستخدامات العلفية، تُعد الدهون مصدرًا مركزًا للطاقة، كما أن صناعة التصيير في أميركا الشمالية تحول المواد الحيوانية والدواجن إلى مكونات تدخل في أغذية الحيوانات والدواجن والأحياء المائية والحيوانات الأليفة، إلى جانب استخدامات صناعية أخرى.
نعم، وهذه زاوية تضيف إلى دهن الدجاج بعدًا إنسانيًا لا يقل أهمية عن بعده الصناعي. ففي المطبخ اليهودي الأشكنازي، وخاصة ضمن تقاليد المطابخ الكوشر، يحتل الشمالتز مكانة معروفة بوصفه دهن الدجاج المصفّى، وأحيانًا دهن الإوز أو البط. وتوضح المصادر الثقافية اليهودية أن هذا الدهن اكتسب قيمة خاصة لأنه كان بديلًا تقليديًا مهمًا للزبدة في الأطباق اللحمية، إذ لا تُستخدم الزبدة في طهو اللحوم أو الدجاج وفق قواعد الفصل بين اللحوم والألبان في الكشروت. ومن هنا لم يكن الشمالتز مجرد دهن للطهي، بل جزءًا من ذاكرة مطبخية كاملة منحت بعض الأطباق التقليدية عمقًا حسيًا ونكهة خاصة.
في أغذية الحيوانات الأليفة، لا تُستخدم الدهون فقط لرفع الكثافة الطاقية، بل لما تضيفه من تحسين في تقبل الغذاء. وتوضح مرجعيات AAFCO أن الحد الأدنى للدهون في أغذية الكلاب والقطط بُني على الاعتراف بها مصدرًا للأحماض الدهنية الأساسية، وحاملًا للفيتامينات الذائبة في الدهن، وعنصرًا يعزز الاستساغة ويوفر كثافة حرارية مناسبة. ومن هنا ترسخ حضور الدهون الحيوانية، ومنها دهن الدجاج، في هذا القطاع بوصفها مكونًا وظيفيًا لا مجرد إضافة ثانوية.
نعم، وبدور متزايد. فبيانات وزارة الزراعة الأميركية تشير إلى أن الدهون الحيوانية والزيوت المستعملة والشحوم شكّلت 37% من إجمالي الخامات المستخدمة في إنتاج الوقود الحيوي الكتلي في عام 2023، مقارنة بـ 17% في عام 2020. وهذا التحول يعكس صعود أهمية هذه الخامات من منظور الكلفة والاستدامة، ويفتح الباب أمام دهن الدجاج ليكون جزءًا من منظومة أوسع توظف النواتج الثانوية الحيوانية في قطاع الطاقة الحيوية.
الكتابة الرصينة عن دهن الدجاج يجب أن تبتعد عن التبسيط المخل. فهو ليس “دهنًا مثاليًا” لمجرد أن له قيمة صناعية، كما أنه ليس مادة مدانة لمجرد كونه دهنًا حيوانيًا. الحقيقة الأدق أنه مادة دهنية مركزة بالطاقة، وأن تقييمه الغذائي يظل جزءًا من الصورة الكبرى للنظام الغذائي ككل. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن تركيب الغذاء الصحي يتغير بحسب العمر والنشاط والسياق الثقافي والعادات الغذائية، وأن الأساس هو التنوع والتوازن والاعتدال لا إصدار أحكام مطلقة على مكوّن منفرد بمعزل عن نمط الاستهلاك العام.
لأن الاقتصاد الدائري لا يبدأ من اختراع مادة جديدة بقدر ما يبدأ من إعادة اكتشاف القيمة الكامنة في المواد القائمة. ودهن الدجاج يجسد هذا المعنى بوضوح؛ فهو ناتج ثانوي انتقل من الهامش إلى مركز الاهتمام الصناعي، وأصبح قادرًا على خدمة الغذاء والعلف والطاقة والصناعات الأوليوكيميائية متى أُحسن استخلاصه وضبطه وتوجيهه. ومن هنا فإن القيمة الحقيقية لا تكمن في المادة وحدها، بل في العقل العلمي والصناعي الذي يعرف كيف يحول المتبقي إلى أصل، والهامش إلى فرصة.
إذا أُريد الانتقال من الوعي بالقيمة إلى حسن الاستثمار، فإن الطريق يبدأ من ثلاث دوائر متكاملة:
في زمن تتسابق فيه الصناعات نحو الاستدامة وتعظيم الكفاءة، لم يعد مقبولًا أن ننظر إلى النواتج الثانوية بمنطق الإزاحة والتخلص، بينما تحمل في داخلها فرصًا اقتصادية وتقنية حقيقية. ودهن الدجاج يقدم درسًا بليغًا في هذا المعنى؛ فهو ليس مجرد مادة دهنية تُفصل عن الذبيحة، بل مورد استراتيجي يمكن أن يخدم الغذاء والعلف والطاقة والصناعة، إذا توفرت له المعرفة الدقيقة، والمعالجة المنضبطة، والرؤية التي ترى في الفائض قيمة كامنة لا عبئًا زائدًا.
ومن هذا المنطلق، يوجه هذا الكنز الخفي رسائله الثلاث: