يعد الهاجس الأكبر للصناعات الغذائية هو الحد من الملوثات على طول سلسلة التصنيع والإنتاج. وبالنسبة للصناعات القائمة على إنتاج الزيوت النباتية، تحتل المواد الهيدروكربونية المعروفة اختصاراً بـ (MOSH) و (MOAH) صدارة الاهتمامات الحالية نظراً لتعقيد مسارات تلوثها وتأثيراتها الصحية.
أولاً: التوصيف الكيميائي والفوارق الجوهرية
تندرج هذه الملوثات تحت فئة "الهيدروكربونات"، ولكن لكل منها سلوك كيميائي وتأثير بيولوجي مختلف يتوجب الفصل بينهما:
1. الـ MOSH (الهيدروكربونات المشبعة بالزيوت المعدنية)
التركيب: تتكون من سلاسل كربونية مفتوحة (Alkanes) أو حلقية (Cycloalkanes).
الخصائص: مركبات مستقرة كيميائياً، مما يجعل تحللها داخل الجسم عملية صعبة.
السلوك الحيوي: تتراكم في الأنسجة الدهنية وتنتقل عبر الجهاز اللمفاوي لتستقر في الكبد والطحال، مما قد يؤدي إلى تكوين أورام حبيبية نتيجة استجابة الجهاز المناعي لوجود أجسام غريبة لا يمكن تمثيلها غذائياً.
2. الـ MOAH (الهيدروكربونات العطرية بالزيوت المعدنية)
التركيب: تتكون من حلقة عطرية واحدة أو أكثر (Polycyclic Aromatic Hydrocarbons).
المخاطر: تُصنف بأنها أكثر خطورة من نظيرتها المشبعة، حيث تُعتبر مواد مسرطنة ومحتملة لتعديل الشفرة الوراثية للإنسان (Genotoxic Carcinogens).
ثانياً: مصادر ومسار التلوث
تتسلل هذه المواد عبر ثغرات محددة في سلسلة الإنتاج، بدءاً من الحقل وصولاً إلى المنتج النهائي:
![صورة توضيحية: مخطط يوضح مسار التلوث من البيئة والحصاد والنقل حتى التعبئة - يُفضل إدراج الإنفوجرافيك المعرب هنا]
الملوثات البيئية (Environmental Contaminants): تشمل الغبار الجوي الناتج عن عوادم السيارات، حرائق الغابات، والقرب من المناطق الصناعية، حيث تمتص البذور الزيتية تلك المركبات لتستقر بداخلها.
زيوت التشحيم الصناعية: استخدام زيوت التشحيم غير المخصصة للصناعات الغذائية في المكابس، المضخات، وأجهزة الطرد المركزي. نقطة زيت واحدة قد تلوث أطناناً من الإنتاج.
المذيبات الكيميائية: في حالة استخلاص الزيت بالمذيبات (مثل الهكسان)، إذا لم يكن المذيب عالي النقاء، فقد يحتوي على شوائب من الزيوت المعدنية.
الهجرة من مواد التغليف (Migration): استخدام الورق المقوى المعاد تدويره (Recycled Paperboard) الذي يحتوي على أحبار طباعة زيتية سابقة؛ حيث تتبخر هذه الزيوت وتنفذ عبر المسام لتستقر في الزيت النباتي.
ثالثاً: المعالجة الفنية أثناء عملية التكرير (Refining)
تعتبر مرحلة التكرير هي حاجز الحماية الأخير، ولكنها تتطلب إدارة ذكية ودقيقة للمتغيرات:
1. إزالة الروائح (Deodorization)هي "المرحلة الذهبية" لتقليل الملوثات، حيث يتم تعريض الزيت لدرجات حرارة (200-240°C) تحت فراغ شديد. تتبخر الملوثات ذات الأوزان الجزيئية المنخفضة وتخرج مع الأبخرة.
2. الموازنة الحرارية (Thermal Balancing)التحدي الهندسي يكمن هنا؛ فالحرارة الزائدة قد تحسن من إزالة (MOSH/MOAH) بشكل كبير، لكنها في المقابل تحفز تكوين ملوثات حرارية أخرى خطرة مثل:
استرات الجليسيديل (Glycidyl Esters).
مركب (3-MCPD).
لذا، يجب على مهندسي الإنتاج ضبط "وقت البقاء" (Retention Time) والحرارة بدقة متناهية للوصول إلى أفضل نقاء ممكن دون خلق ملوثات جديدة.
رابعاً: الوقاية والرقابة
للحد من هذه الملوثات، يجب تبني نهج وقائي شامل يعتمد على معايير الجودة العالمية:
الممارسات الزراعية الجيدة (GAP): صيانة آلات الحصاد لضمان عدم تسرب الزيوت، واستخدام تقنيات تجفيف نظيفة تعتمد على الهواء الساخن غير المباشر بدلاً من غازات الاحتراق المباشرة.
ممارسات التصنيع الجيدة (GMP): الانتقال الكامل لاستخدام زيوت التشحيم الغذائية (Food Grade Lubricants) في جميع الآلات التي تلامس المنتج.
النقل والتخزين: ضمان نظافة الصهاريج ووسائل النقل وفحصها دورياً لمنع التلوث العرضي.
الرقابة على التعبئة: اختيار مواد تغليف ذات حواجز وظيفية (Functional Barriers) تمنع هجرة الملوثات، واستخدام أحبار طباعة خالية من الزيوت المعدنية (Mineral-oil-free inks).
خامساً: التشريعات والتوجهات العالمية
بدأت المفوضية الأوروبية (EU) في فرض حدود صارمة ومراقبة مستمرة. وتعتبر التوصية (EU) 2017/84 هي المرجع الأساسي لمراقبة هذه الملوثات حالياً، مع توجه دولي قوي لجعل هذه الفحوصات إلزامية لكل شحنات الزيوت المصدرة، مما يضع ضغطاً على المنتجين للالتزام بالمعايير.
الخلاصة
إن السيطرة على ملوثات (MOSH/MOAH) ليست مجرد إجراء مخبري للكشف، بل هي ثقافة تصنيعية متكاملة تبدأ من اختيار موقع المزرعة وتنتهي بنوع الحبر المستخدم في طباعة الملصق. التميز في إدارة هذا الملف هو ما يمنح الشركات القدرة على المنافسة في الأسواق العالمية التي لم تعد تقبل بأي تهاون في معايير السلامة الكيميائية.