.avif)

رئيس قسم الزيوت والدهون بمعهد بحوث الصناعات الغذائية والتغذية بالمركز القومي للبحوث.
دليل مبسط لإدارة جودة زيت الزيتون البكر الممتاز في مطبخك
سيرة ومسيرة البركة.. من الجذع إلى الزجاجة: قبل أن تفتح الغطاء عن زجاجتك الجديدة، توقف ملياً أمام هذا السائل الذي اصطلح أجدادنا على تسميته "الزيت الطيب". إن ما تراه ليس مجرد مادة دهنية للاستهلاك اليومي، بل هو "تاريخٌ سائل"؛ اختزلت فيه الشجرة المباركة ضوء الشمس، وعنفوان الأرض، وصبر السنين. هذا الزيت هو "عهدٌ غذائي" قطعه الفلاح في الحقل، وصانه العَصّار في المعصرة، ليصل إليك بتركيبته الكيميائية الفريدة، محملًا بكنوز الفينولات ومضادات الأكسدة التي تجعل منه صيدلية طبيعية متكاملة. لكن، هل سألت نفسك يوماً: متى يفقد "الطيب" طيبته؟
في المطبخ، حيث يظن الكثيرون أن الزيت في مأمن داخل عبوته، تجري في الخفاء معارك كيميائية صامتة. هناك خمسة لصوص محترفون (يعملون فى الضوء والظل) يتربصون بـ "الزيت الطيب"؛ لا يسرقون المادة، بل يسرقون "الروح" الكامنة فيه.
إنهم لصوص يمارسون "الأكسدة" كفنٍ للتخريب؛ يختطفون النكهة الفاكهية، ويغتالون الروائح العشبية، ويحولون مضادات الأكسدة من حراس لصحتك إلى ذرات باهتة لا نفع فيها. الضوء الذي يغازل الزجاجة الشفافة، والحرارة التي تسكن جوار الموقد، والأكسجين الذي يتسلل مع كل فتحة غطاء.. جميعهم يعملون على تحويل "الذهب السائل" إلى مجرد دهنٍ باهت لا روح فيه.
في هذا الدليل، لن نتحدث فقط عن التخزين فقط، بل سنعلمك "فن الحراسة". سنكشف لك الأقنعة عن هؤلاء اللصوص الخمسة، ونضع بين يديك بروتوكولاً عملياً لحماية استثمارك الصحي والمادي، ليبقى زيتك كما خلقه الله: طيباً في أصله، مباركاً في أثره، وعصياً على التلف.
من أكثر الأخطاء شيوعًا وضع زيت الزيتون في مكان ظاهر ومضاء داخل المطبخ، أو بجوار نافذة يصلها الضوء المباشر (سواء ضوء طبيعى أو ضوء لمبة). والحقيقة أن الضوء، خاصة إذا كان مستمرًا أو قويًا، يُعد من أهم العوامل التي تسرّع تلف الزيت.
فالزيت يحتوي على صبغات طبيعية مثل الكلوروفيل، وهي تمنحه أحيانًا لونًا أخضر جذابًا، لكنها في وجود الضوء قد تسهم في تسريع ما يُعرف بالأكسدة الضوئية، وهي صورة من صور التدهور تؤدي إلى فقد النكهة وتراجع الجودة الحسية بمرور الوقت.
ولهذا يُفضَّل دائمًا حفظ الزيت في عبوات داكنة أو معتمة، مع وضعه في خزانة مغلقة أو مكان بعيد عن الإضاءة المباشرة. فالمظهر الجميل للزجاجة الشفافة على الرف لا يعادل الخسارة التي قد تصيب الزيت من الداخل.
إذا كان الضوء لصًا ظاهرًا، فإن الحرارة لص أكثر شيوعًا وخبثًا في المطابخ. فكلما ارتفعت درجة الحرارة، تسارعت التفاعلات الكيميائية التي تؤدي إلى تدهور الزيت، سواء من حيث النكهة أو الرائحة أو الثبات التأكسدي.
ووضع زجاجة الزيت بجوار الموقد (البوتاجاز) أو فوق الفرن أو بالقرب من الأجهزة الساخنة يُعد من أكثر الممارسات الخاطئة انتشارًا، حتى لو بدا ذلك عمليًا أثناء الاستخدام اليومي. فالحرارة المتكررة لا تُفسد الزيت دفعة واحدة، لكنها تُعجّل بفقد المركبات المتطايرة المسؤولة عن الرائحة الفاكهية والعشبية، كما تسرّع التدهور التأكسدي تدريجيًا.
وأفضل ظروف التخزين تكون في مكان معتدل الحرارة، ويُفضَّل أن تكون بين 14 و 20 درجة مئوية، بعيدًا عن مصادر السخونة المباشرة، مع تجنب تعريض الزيت لتقلبات حرارية متكررة.
بمجرد فتح العبوة، يبدأ الزيت في ملامسة الأكسجين الموجود في الهواء، وهنا تبدأ واحدة من أهم آليات التدهور، وهي الأكسدة. وهذه العملية لا تحدث فجأة، لكنها تتقدم تدريجيًا مع كثرة الفتح والغلق، وطول مدة التخزين، واتساع الفراغ الهوائي داخل العبوة.
فكلما قلّ تماس الزيت مع الهواء، طال احتفاظه بجودته.
قد يلاحظ بعض المستهلكين وجود رواسب في قاع بعض عبوات زيت الزيتون (وهى ثقافة خاطئة فى بعض المناطق والبلدان)، خاصة في الزيوت غير المفلترة أو قليلة الترويق. وهذه الرواسب قد تتكون من بقايا دقيقة من لب الثمرة، أو قطرات من ماء الزيتون، أو مواد صلبة طبيعية لم تُفصل بالكامل.
لذلك، إذا كان الهدف هو الاحتفاظ بالزيت لفترة، فمن الأفضل اختيار زيت مفلتر جيدًا، أو على الأقل الحرص على تخزين الزيت غير المفلتر لفترة أقصر وتحت ظروف أكثر عناية.
من الأخطاء التي قد لا ينتبه إليها كثيرون، نقل زيت الزيتون إلى أوعية غير مناسبة، سواء كانت معدنية غير مخصصة لهذا الغرض أو عبوات بلاستيكية رديئة أو شفافة وضعيفة الجودة.
لذلك، فإن أفضل أوعية الحفظ هي:
أما الأوعية البلاستيكية الرخيصة أو العبوات غير المخصصة للأغذية، فيُفضَّل تجنبها تمامًا، خاصة في التخزين الممتد.
سوء التخزين لا يعني فقط أن الزيت "يفسد" بمعناه المباشر، بل يعني غالبًا أنه يفقد بالتدريج أهم ما يميزه. والخسائر قد تظهر في أكثر من صورة:
بمعنى آخر، فإن التخزين غير السليم لا يهدر الزيت فقط، بل يهدر أيضًا ميزته الأساسية التي جعلته زيتًا مفضلًا ومميزًا من البداية.
يمكن للمستهلك أن يستعين بحواسه في اكتشاف العلامات المتقدمة لتدهور الزيت، حتى دون أدوات تحليل معملية.
ومع ذلك، ينبغي الانتباه إلى أن شدة هذه الصفات تختلف طبيعيًا بحسب الصنف، وموعد الحصاد، وطزاجة الزيت؛ لذلك لا يكون الحكم الحسي دقيقًا إلا إذا قورن الزيت بطبيعته الأصلية قدر الإمكان.

إن تسمية أمهاتنا لهذا السائل بـ "الزيت الطيب" لم تكن محض صدقة لسان، بل هي استشرافٌ عميق لهوية هذا الكنز؛ فهو "طيبُ المنبت" في عروق الشجر، "طيبُ الشذى" في أنفاس الطبيعة، و"طيبُ الأثر" في خلايا الجسد والروح. هو الإرث الذي عبر إلينا من معاصر الحجارة الضاربة في القدم، لِيستقر اليوم في زجاجةٍ بين يديك، حاملاً معه أمانة الأرض وجهد الفلاح وإتقان العَصّار.
لكن، تذكر دائماً أن هذه "الطيبة" ليست حصينةً ضد الإهمال؛ فهي منظومة حيوية رقيقة قد تتبخر في غفلةٍ منك. إن اللصوص الخمسة —الضوء المتسلل، والحرارة الغادرة، والأكسجين السارق، والرواسب المتربصة، والعبوات الخائنة— لا يهدفون لسرقة الزيت كمادة، بل يهدفون لاغتيال "روحه الكيميائية" وفقدان بصمته الفريدة، ليحولوه من ذهبٍ مصفى إلى مجرد دهنٍ باهتٍ فقد هويته وجدواه.
أنت الآن لا تقف كمجرد "مستهلك"، بل بصفتك "الوصي الأخير" في سلسلة القيمة. إن قرارك بحفظ الزيت في مكان وظروف آمنة، بعيداً عن هجير الموقد، وفي وعاءٍ يصون أمانته، هو في الحقيقة فعلُ احترامٍ لهذا التراث الممتد. أنت لا تحمي مجرد مكونٍ للطهي، بل تحمي "استثماراً صحياً" ونكهةً أصيلة تعجز المختبرات عن تكرارها إذا ما ضاعت.
وفي كل مرة تغمس فيها لقمة خبزٍ في هذا الذهب السائل، تذكر أنك حين حفظت له طيبته، ردَّ إليك الجميل بحفظ صحتك وعافيتك. هذا هو سر "الزيت الطيب"؛ أمانةٌ بدأت من جذور الشجرة، وتكتمل اليوم بوعيك وحرصك على مائدتك.
هل استفدت من هذا الدليل؟ شاركه مع من تهتم بصحتهم وجودة طعامهم.